الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

533

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

فإن قلت : هل العلم بكونه - صلى اللّه عليه وسلم - بشرا ، ومن العرب ، شرط في صحة الإيمان ، أو هو من فروض الكفاية . أجاب الشيخ ولى الدين بن العراقي : بأنه شرط في صحة الإيمان . قال : فلو قال شخص : أومن برسالة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - إلى جميع الخلق ، ولكني لا أدرى هل هو من البشر أو الملائكة ، أو من الجن ، أو لا أدرى أهو من العرب أو العجم ، فلا شك في كفره لتكذيبه للقرآن وجحده ما تلقته قرون الإسلام خلفا عن سلف ، وصار معلوما بالضرورة عند الخاص والعام ، ولا أعلم في ذلك خلافا . فلو كان غبيّا لا يعرف ذلك وجب تعليمه إياه ، فإن جحده بعد ذلك حكمنا بكفره . انتهى . فإن قلت : هل هو - صلى اللّه عليه وسلم - باق على رسالته إلى الآن ؟ أجاب أبو المعين النفسي : بأن الأشعري قال : إنه - صلى اللّه عليه وسلم - الآن في حكم الرسالة ، وحكم الشيء يقوم مقام أصل الشيء ، ألا ترى أن العدة تدل على ما كان من أحكام النكاح . انتهى . وقال غيره : إن النبوة والرسالة باقية بعد موته - صلى اللّه عليه وسلم - حقيقة ، كما يبقى وصف الإيمان بعد موته ، لأن المتصف بالنبوة والرسالة ، والإيمان هو الروح وهي باقية لا تتغير بموت البدن . انتهى . وتعقب : بأن الأنبياء أحياء في قبورهم ، فوصف النبوة باق للجسد والروح معا . وقال القشيري : كلام اللّه تعالى لمن اصطفاه : أرسلتك أن تبلغ عنى ، وكلامه تعالى قديم ، فهو - صلى اللّه عليه وسلم - قبل أن يوجد كان رسولا . وفي حال كونه وإلى الأبد رسولا ، لبقاء الكلام وقدمه ، واستحالة البطلان على الإرسال الذي هو كلام اللّه تعالى . ونقل السبكي في طبقاته ، عن ابن فورك أنه قال : إنه - صلى اللّه عليه وسلم - حي في قبره ، رسول اللّه أبد الآباد على الحقيقة لا المجاز . انتهى . وقال تعالى : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ « 1 » .

--> ( 1 ) سورة الجمعة : 2 .